أعلن رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي عزمه التنحي عن الحكم مع نهاية ولايته الرئاسية الثالثة في عام 2030، في خطوة مفاجئة تأتي وسط أزمة اقتصادية عميقة، بالتزامن مع طرح آلية لخلافة رئاسية تتولى المؤسسة العسكرية تشكيل ملامحها. ويرى أحمد أبو دوح، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمركز تشاتام هاوس، أن الإعلان قد يعيد رسم المشهد السياسي المصري، ويؤثر في موازين القوى داخل النظام الحاكم، فضلًا عن دور الجيش في السياسة وإدارة الدولة.
وفي تحليل نشره مركز «تشاتام هاوس» في 22 أكتوبر، تناول أبو دوح دوافع إعلان السيسي، والضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجه نظامه، والآلية التي اقترحها لتأهيل قيادات محتملة للمناصب العليا، وصولًا إلى منصب الرئيس. كما بحث التحليل فرص انتقال السلطة إلى المدنيين، في ظل استمرار النفوذ العسكري في تحديد اتجاهات الدولة واختيار قياداتها.
الأزمة الاقتصادية تدفع نحو التفكير في انتقال السلطة
أعلن السيسي، خلال حفل تخرج دفعة من الأكاديمية العسكرية المصرية في 17 أكتوبر، أنه سيغادر منصبه مع نهاية ولايته الثالثة عام 2030. كما عرض تصورًا لعملية خلافة تشرف عليها المؤسسة العسكرية، لاختيار الرئيس المقبل وكبار المسؤولين بعد ذلك التاريخ.
أثار الإعلان مفاجأة لدى مراقبين كثيرين، وربما لدى مسؤولين داخل الدولة أيضًا. وإذا التزم السيسي بتعهده وغادر السلطة سلميًا، فسيكون أول رئيس مصري يترك منصبه دون أن يموت في الحكم أو يُسجن أو يواجه انتفاضة شعبية تطيح به.
تولى السيسي الرئاسة عام 2014، عقب الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي. ويشغل السيسي حاليًا ولايته الثالثة، بعدما فاز في انتخابات عامي 2018 و2023، اللتين اعتبرهما منتقدون محسومتين سلفًا. وفي عام 2019، أُجري استفتاء دستوري رأى منتقدون أنه محسوم مسبقًا أيضًا، وأسفر عن تمديد مدة الولاية الرئاسية من أربع سنوات إلى ست، ما أتاح للسيسي البقاء في منصبه حتى عام 2030.
لم يوضح السيسي سببًا محددًا لقراره خلال خطابه في الأكاديمية العسكرية، لكنه أكد عدم إجراء تعديلات دستورية جديدة لتمديد حكمه، واصفًا الأمر بأنه «حُسم تمامًا ولن يُناقش»، في إشارة إلى أن انتقال السلطة بات، وفقًا لتصريحاته، أمرًا لا مفر منه.
ويرجح التحليل أن يقف وراء القرار عاملان رئيسيان. يتمثل أولهما في عدم استدامة النموذج الاقتصادي القائم على الاقتراض، الذي اتبعته الدولة في عهد السيسي. فقد أسهم هذا النموذج في ترسيخ هيمنة الجيش، وأعاق إصلاحات اقتصادية عاجلة، بينما أدت الاقتراضات الضخمة لتمويل المشروعات الكبرى إلى أزمة اقتصادية هيكلية.
وفي موازنة العام الحالي، تستحوذ خدمة الدين على 63.9% من الإنفاق المخطط، ارتفاعًا من 43% عام 2014. وتتجاوز مدفوعات الفائدة وحدها، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، مجموع المخصصات الموجهة إلى التعليم والرعاية الصحية والأجور والدعم.
كما ارتفع الدين الخارجي لمصر من 46.1 مليار دولار عام 2014، بما يعادل 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى 164.8 مليار دولار، أو 38.9% من الناتج المحلي الإجمالي، بنهاية الربع الأول من عام 2026.
وتراجع سعر صرف الجنيه المصري من 7.14 جنيهات للدولار في منتصف عام 2014 إلى نحو 53.8 جنيهًا في أكتوبر 2026. كذلك ارتفع التضخم في المدن من 8.3% في مايو 2014 إلى 13.9% في سبتمبر 2026، مع توقعات بزيادة جديدة.
وضغطت هذه التطورات على المصريين العاديين، وجعلت العقد الماضي فترة تراجع حاد في مستويات المعيشة. ووفقًا للبيانات الرسمية، بلغ معدل الفقر على مستوى البلاد 35.7% عام 2023.
ويعتبر التحليل أن الأزمة الاقتصادية الممتدة تشكل تهديدًا وجوديًا لاستقرار النظام، في ظل تصاعد الغضب الشعبي بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، وتفاقم الاختلالات الهيكلية، وزيادة الديون، وهي عوامل جعلت السياسات الاقتصادية للسيسي غير قابلة للاستمرار، حتى في نظر بعض حلفائه.
وربما خلص السيسي إلى أن مصر تحتاج بصورة عاجلة إلى عقد اجتماعي جديد، لتجنب اضطرابات اجتماعية ناجمة عن الأزمة الاقتصادية قد تدفعه إلى مغادرة الحكم أو تُدخل البلاد في حالة من الفوضى المستمرة. كما قد يسعى إلى تجنب مصير الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي عُزل خلال ثورة 25 يناير عام 2011. ويرجح التحليل أيضًا احتمال التوصل إلى ترتيبات تحمي السيسي وأفراد أسرته من ملاحقات قضائية مستقبلية، مقابل تخليه عن السلطة.
حماية الدولة وترسيخ دور الجيش في الخلافة الرئاسية
يرتبط العامل الثاني برؤية السيسي لرئاسته ولمفهوم الدولة، وهي رؤية تشكلت بدرجة كبيرة بفعل انتفاضة عام 2011، التي وصفها بأنها «شهادة وفاة الدولة المصرية».
ومنذ توليه الرئاسة عام 2014، حذّر السيسي مرارًا من أن اندلاع انتفاضة شعبية جديدة سيهدد وجود الدولة. كما ربط ازدهار البلاد باستبعاد ما يصفه باستمرار بأنهم «أهل الشر» من الحياة السياسية، وهو تعبير يُفهم غالبًا على أنه إشارة إلى الإسلاميين. وحذّر كذلك من التهديدات التي تستهدف «الذاكرة الوطنية» عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويرى التحليل أن السيسي قد يعتبر مغادرة السلطة عام 2030 متسقة مع أهدافه السياسية. فقد انقلب الجيش على حكم الإخوان المسلمين خلال انتفاضة شعبية باعتبارها واجبًا وطنيًا يقع على عاتقه وعلى المؤسسة العسكرية، لحماية مصر من الفوضى التي اجتاحت دولًا أخرى خلال انتفاضات الربيع العربي. كما أشار إلى أنه يرى في إعادة تشكيل السياسة المصرية وسيلة لضمان الاستقرار طويل الأمد وفقًا لتصوره.
وخلال خطابه في الأكاديمية العسكرية، كشف السيسي أنه أصر على إدراج المادة 200 ضمن تعديلات دستور عام 2019. وتمنح هذه المادة المؤسسة العسكرية، فعليًا، دورًا في حماية الهوية الوطنية العلمانية للدولة والنظام الحاكم.
وبناءً على ذلك، قد يرى السيسي أن التنحي في عام 2030 يتوافق مع رؤيته، على أن يتولى المسؤولون الذين تلقوا تدريبهم في المؤسسات العسكرية، والذين حددهم بوصفهم خلفاء محتملين، تنفيذ هذه الرؤية عمليًا.
وبالتوازي مع إعلان خطته للتنحي، كشف السيسي أن القوات المسلحة ستمول برنامجًا تدريبيًا مدته 30 شهرًا داخل الأكاديمية العسكرية، لإعداد قيادات محتملة للمستقبل. وبعد التخرج، سيتمكن المصريون من «الانتخاب والاختيار» من بين خريجي البرنامج.
وسيستهدف البرنامج مرشحين مختارين تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عامًا، ويشترط حصولهم على درجة الدكتوراه، لإعدادهم لشغل مناصب تشمل الوزير وعضو البرلمان والمحافظ، وربما رئيس الجمهورية أيضًا. وسيُعفى من البرنامج من شغلوا مناصب حكومية لمدة ست سنوات على الأقل.
ومن المرجح أن تحتفظ المؤسسة العسكرية بنفوذ حاسم في اختيار القيادات. ولا يثير اختيار الأكاديمية العسكرية للاستعداد لهذه المرحلة مفاجأة، إذ تضطلع منذ فترة طويلة بمهمة ترسيخ نزعة قومية تتمحور حول الجيش، والإشراف على التعيينات والترقيات في مؤسسات الدولة. وقد أثار هذا الدور مقاومة في بعض الأحيان، من بينها اعتراضات صدرت عن قضاة في يناير.
وعمليًا، قد يحل هذا النظام معايير الكفاءة محل العملية الانتخابية، مع تضييق دائرة المرشحين الذين تحظى المؤسسة بالثقة فيهم، واستبعاد أي شخص يوصف بأنه «صاحب توجهات منحازة أو خائن أو مجرم» من الترشح للرئاسة.
ورغم أن هذه الآلية قد تفتح الطريق أمام تولي المدنيين منصب الرئيس، فإن الجيش سيحتفظ على الأرجح بنفوذ حاسم في اختيار القيادة وتحديد التوجه الاستراتيجي للدولة. كما سيواصل القادة العسكريون التأثير في القرارات الرئيسية بفضل الصلاحيات الدستورية الممنوحة للمؤسسة العسكرية.
وفي ظل هذا الترتيب، قد يحتفظ السيسي بشبكات الولاء الراسخة وبنفوذه السياسي الأوسع. وقد تؤسس التغييرات نموذجًا غير رسمي للوصاية العسكرية يتجاوز الرئيس والحكومة بعد عام 2030، على غرار الدور الذي اضطلع به الجيش في تركيا خلال تسعينيات القرن الماضي.
لكن نظام التدريب الحكومي الجديد قد يواجه تحديات أيضًا. إذ يبدو مصممًا لتهميش المعارضين وجماعة الإخوان المسلمين والجنرالات المنافسين. ومع ذلك، فإن استبعاد من لا يحملون مؤهلات دراسات عليا أو لا يحصلون على موافقة الأكاديمية قد يثير تساؤلات بشأن دستورية النظام، ويفتح الباب أمام طعون قانونية، فضلًا عن احتمال إشعال منافسة حادة بين الأجهزة الأمنية الرئيسية.
هل يتراجع السيسي عن قراره أم يفتح الباب أمام حكم مدني؟
قد تواجه رغبة السيسي في التنحي مقاومة من مؤسسات رئيسية وشخصيات نافذة داخل شبكة المصالح والولاءات المرتبطة به، إذ قد يحاول هؤلاء إقناعه بالتراجع عن قراره لحماية مصالحهم.
وقد تزداد هذه المحاولات إذا انخرط الجيش المصري في صراعات إقليمية آخذة في التصعيد. وكان السيسي قد طلب مؤخرًا تفويضًا من البرلمان لنشر قوات مصرية للدفاع عن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين.
وإذا تدهورت الظروف المعيشية واندلعت اضطرابات اجتماعية، فقد يخلص السيسي إلى أن البقاء في السلطة هو الخيار الأفضل لضمان استقرار مصر.
https://www.chathamhouse.org/2026/10/why-has-egypts-president-sisi-said-he-will-step-down-2030

